اعلم ان المريد الصادق ينبغي له ان يكون عارفا بنفسه ومطلعا على عيوبها ومراقبا لها وان لا يتعدى نظره عن عيوبها فان صَدَق في وجهته الى الحق تعالى ابصر تلك العيوب من خلال استدامته للذكر وتفكره بنفسه ومن خلال عالم الخيال الذي يرى فيه خواطره الواردة على قلبه فما هي الا تعلقات النفس وشواغلها وتكون شديدة التأثير على مرآة القلب او ما يوسوس له الشيطان من اثارة الشهوات وغيرها يكون تأثيرها ضعيف فاذا باشر المريد الذكر بقلبه سرا قطعته تلك الخواطر واذهبت بجمعيته عن معاني الحضور الشريف فعليه ان يستمد من روحانية المرشد الهمة والعزيمة على دفع تلك الخواطر حتى يقوى الذكر في قلبه ويصير له سلطان وتمكين فيقطع تلك التعلقات ويمحو كل الخطرات عن مرآة القلب فينهض الحال ويدوم الحضور مع الحق تعالى حتى وان كان بين الناس الى ان تصير خلوته في جلوته فينظر الى الاشياء بقلبه ويسمع بقلبه ويتكلم بقلبه وتصير كل الحركات والسكنات محكومة بحضور القلب مع الله تعالى حتى يتشرف بمقام القلب الحقيقي الذي يجعله مستغرقا بمعية الحق تعالى وينظر ببصيرته الواردات والفيوضات الربانية فتتحرك لطيفة الروح بالمحبة وتجذبها الاشواق فيشهد معاني الاشياء بقلبه بعد ان كان يرى صورها الظاهرة فينتشي قلبه ويستمد الشهود من تجليات تلك الموجودات فيبصر عالم الملكوت من خلال نظره الى عالم الملك فيتلقى الفيوضات ويتعرف على الاسرار والمعارف الربانية فيصير كل وجوده في ترقي ويسمى هذا بالسير والسلوك في الاسماء والصفات ولا يتسنى هذا الا بتزكية النفس وتبدل اوصافها وصفاتها فاذا اعترضه اي عارض اذهب حضوره فانه من دواعي النفس وخلجاتها واما اذا كان العارض يقوّي حضوره فانه وارد من الحق تعالى يذعن له العبد ولا يجعل له اي ارادة حين وروده ويستسلم لذلك الوارد حتى يغيب عن نفسه وهناك يتصرف الحق تعالى في قلبه كالمالك في ملكه فبقدر استعداد المريد وسعة حوصلته وكسبه من العلوم والمعارف العقلية سيجني المعارف الربانية من تلك الواردات فلابد للسالك ان يكون يقظ القلب ونافذ البصيرة بنفسه حتى لا يتعدى نظره عن عيوبها ويصير من الهالكين .