قصيدة في بحار الأنس
تطاول كتماني في الهوى فاصبحت ... اشكو غصَّةً من حَرارَةِ الوجدِ
فبحـتُ باسـمِ الذي أهـوى لـيُنقِـذني ... مِـن حيرةِ الرُّوحِ في تِـيهٍ مِـنَ الصَّدَدِ
هُوَ الحَبيبُ الذي غابَتْ صِفاتُ الورى ... في نورِ طَلْـعَتِهِ الأبْهـى فَلَمْ أَجِـدِ
سِـواهُ حِـصْـناً إذا ضـاقَـتْ بِـيَ الدُّنْـيا ... وَمَـلْجَأً عِنْـدَ كَـرْبِ الـهَمِّ والنَّـكَدِ
أفْـنَـيْتُ عُمْـري وِصـالاً في مَحَبَّتِـهِ ... فاصبَحَ القَلْبُ مَوْصولاً بـلا عَـمَدِ
يا غايَةَ السُّـؤْلِ يا نُـورَ الـوُجودِ وَيا ... مَنْ لا شَـريكَ لَـهُ في الـمُلْكِ والأَبَدِ
أَسْـقَـيْتَ روحي مِنِ إشْراقِ مَعْرِفَةٍ ... فَذُبْتُ شَوْقاً وَلَمْ أَحْـفَلْ بـأَيِّ غَـدِ
شـرِبْتُ خَـمْرَ الـهَوى بِكْرًا مُقَدَّسَةً ... طابَتْ مَـذاقاً لِأهْـلِ اللهِ في الأَمَدِ
طـارَتْ إلَيْـكَ حَـماماتُ الـنُّفوسِ فَلا ... تَـرْضى بِغَـيْرِ جِـوارِ العَرْشِ مِـنْ بَلَدِ
مـا لِـي سِـواكَ إذا حَـفَّ الظَّـلامُ بِنا ... وأنْتَ بَدْرُ الهُدى في اللّيْلِ والـصَّفَدِ
تَـمَزَّقَت الـحُجْبُ عَنْ عَيْـنٍ رَأَتْكَ بِها ... فَلَمْ تَـعُدْ تَنْـظُرُ الأَكْـوانَ بالـجَسَدِ
غَـبِـتُ عَنّي فَـصِرْتُ الآنَ أَشْهَدُكُمْ ... في كُـلِّ زاوِيَةٍ وفي كُـلِّ مُـعْتَمَدِ
إِذا سَـجَدْتُ رَأَيْتُ القُرْبَ يَـأْخُذُني ... إِلى مَـقـامٍ تَـعالى عَـنْ خُـطى الجسدِ
سُـبْحانَ مَنْ جَعَلَ الأشْـواقَ مَعْرَجَنا ... إلَيْهِ كَيْ نَعْـبُرَ الآلامَ بـالـجَلَدِ
أَمُـوتُ حُـبّاً وتَحْـيا الرُّوحُ فـيكَ هَوىً ... كَمْ في مَماتِ الفَتى بالحُبِّ مِنْ رَغَدِ
نَـظَرْتُ لِـلخَلْقِ فاصْفَرَّتْ نَـواظِرُهُمْ ... وَفي نَـعِـيـمِـكَ قَلْبي غَـيْرُ مُضْطَهَدِ
يا سـائِـقَ الـوَجْدِ دَنْدِنْ لِلْقُلُوبِ همساً ... نَحْوَ الحَـبيبِ الذي يَشْـفي مِـنَ الكَمَدِ
مـا مَـدَّ صَبٌّ إلـى غَـيْرِ الـجَلالِ يَـداً ... إلّا وعـادَتْ صِـفْراً غَـيْرَ ذاتِ يَـدِ
سِـرُّ المَحَـبَّـةِ لا تَـحْـويهِ مَـحْبَرَةٌ ... كَلا ولا نَـظَـمَتْـهُ أَلْـسُـنُ الـسَّرَدِ
هُـوَ الـشُّـعاعُ الذي يَـسْري بِأوْرِدَتي ... فـيُـصْـبِحُ اللَّـفْظُ مَـفْتُوناً مِـنَ الرَّعَدِ
عَـشِـقْتُ طـهْراً وتَـقْـديساً وَمَـرْتَـبَةً ... عَنْ كُـلِّ لَـفْظٍ رَخـيصٍ غَـيْرِ مُـتَّئِدِ
إذا اسْـتَـبَدَّ بِيَ الـشَّوْقُ العَـظِيمُ هُنـا ... رَفَعْتُ صَوْتِيَ يا مَوْلايَ خُذْ بِيَدِي
أَنْتَ الـمُـرادُ وأَنْتَ الـقَصْدُ لَيْسَ لَنا ... في الكَوْنِ رَبٌّ سِـواكَ الـواحِدُ الصَّمَدِ
أنْسَـتْـني فـيكَ عَـذاباتُ الـهَوى أَلَمي ... حَتَّى غَـدَوْتُ بِـلا حُـزْنٍ ولا سَهَدِ
تَـجَلَّ بالـلُّطْفِ يا رَحْـمٰنُ مَـرْحَـمَةً ... عَـلى فُـؤادٍ مِـنَ الأشْـواقِ في صَعَدِ
أَبْـصَرْتُ نُـورَكَ في الأَزْهارِ مُـبْتَسِماً ... وَفي السَّـماءِ وَفي الأمْـواهِ والـبَرَدِ
فَـكُـلُّ حُـسْنٍ بِـهٰذَا الـكَوْنِ نَـفْحَتُكُمْ ... وَكُـلُّ جُـودٍ مِـنَ الأنْـوارِ والـمَدَدِ
لَـكَ الـمَحامِدُ ما ارْتَاحَتْ نُـفُـوسُ هُدىً ... وَمـا تَـرَنَّـمَ مَـشْـغُوفٌ بِـلا أَوَدِ
أَرِحْ رِكابَـكَ يا قَلْـبِي فـقَـدْ وَصَلَتْ ... إلـى حِـمى مَنْ مَـحا الآهـاتِ بِالرَّشَدِ
وَصَـلِّي يـا رَبِّ مـا دامَ الـوُجُودُ لَـنا ... عَـلى النَّـبِيِّ شَـفيعِ الـخَلْقِ في الـغَدِ
وخَـتْمُ قَوْلي صَلاةٌ تَسْتَنِيرُ بِها ... نَفْسِي وتَمْحُو كَبِيرَ الذَّنْبِ والعَقَدِ
عَلى المِشْكاةِ والأطْهارِ عِتْرَتِهِ ... وصَحْبِهِ الصِّيْدِ أَهْلِ الفَضْلِ والمَدَدِ
بِـهِمْ تَوَسَّلْتُ يا مَوْلايَ فاعْفُ عَنِ ... المَكْرُوبِ واجْعَلْ لَهُ بَشَائِرَ السَّعَدِ